أحمد بن محمد المقري التلمساني

317

نفح الطيب من غصن الأندلس الرطيب

لمواقع نعم اللّه تعالى نصفا ونصا ، ونعقد بين أنباء مسرته وبين الشكر للّه حلفا ، ونعدّ التشيع له مما يقربنا إلى اللّه زلفى ، ونؤمل من إمداده ونرتقب من جهاده وقتا يكفل به الدين ويكفى ، وتروى غلل النفوس « 1 » وتشفى ، وإلى هذا وصل اللّه سعدكم ، ووالى نصركم وعضدكم ، فإنا من لدن صدر عن أخيكم أبي الفضل ما صدر من الانقياد لخدع الآمال ، والاغترار بموارد الآل « 2 » ، وفال رأيه « 3 » في اقتحام الأهوال ، وتورط في هفوة حار فيها حيرة أهل الكلام في الأحوال ، وناصب من أمركم السعيد جبلا قضى اللّه له بالاستقراء ، والاستقبال ، ومن ذا يزاحم الأطواد ويزحزح الجبال ؟ وأخلف الظن منّا في وفائه ، وأضمر عملا استأثر عنا بإخفائه ، واستعان من عدو الدين بمعين قلما يورى « 4 » لمن استنصر به رند ، ولا خفق لمن تولاه بالنصر بند « 5 » ، وإن الطاغية أعانه وأنجده ورأى أنه سهم على المسلمين سدده وعضب للفتنة جرّده « 6 » ، فسخر له الفلك ، وأمل أن يستخدمه بسبب ذلك الملك ، فأورده الهلك والظلم الحلك ، علمنا أن طرف سعادته كأب ، وسحاب آماله غير ذات انسكاب ، وقدم عزته لم يستقر من السداد في غرز ركاب ، فإن نجاح أعمال النفوس مرتبط بنيّاتها ، وغايات الأمور تظهر في بداياتها ، وعوائد اللّه تعالى فيمن نازع قدرته لا تجهل ، ومن غالب أمر اللّه خاب منه المعوّل ، فبينما نحن نرتقب خسار تلك الصفقة المعقودة ، وخمود تلك الشعلة الموقودة ، وصلنا كتابكم يشرح الصدور ويشرح الأخبار ، ويهدي طرف المسرات على أكف الاستبشار ، ويعرب بلسان حال المسارعة والابتدار ، عن الود الواضح وضوح النهار ، والتحقق بخلوصنا الذي يعلمه عالم الأسرار ، فأعاد في الإفادة وأبدى ، وأسدى من الفضائل الجلائل ما أسدى ، فعلم منه مآل من رام أن يقدح زند الشتات من بعد الالتئام « 7 » ، ويثير عجاجة المنازعة من بعد ركود القتام « 8 » ، هيهات تلك قلادة اللّه تعالى التي ما كان يتركها بغير نظام ، ولم يدر أنكم نصبتم له من الحزم حبالة لا يفلتها قنيص « 9 » ، وسدّدتم له من السعد سهما ما له عنه من محيص « 10 » ، بما كان من إرسال جوارح الأسطول السعيد في مطاره ، حائلا بينه وبين أوطاره ، فما كان إلا التسمية والإرسال ، ثم الإمساك والقتال ، ثم الاقتيات والاستعمال ، فيا له من زجر استنطق لسان الوجود فجدله « 11 » ، واستنصر البحر فخذله ، وصارع القدر فجدله لما جد له ، وإن خدامكم استولوا على ما كان فيه

--> ( 1 ) الغلل : جمع غلة ، وهي شدة العطش . ( 2 ) الآل : السراب . ( 3 ) فال رأيه : ضعف . ( 4 ) أورى الزند يوري : قدح بالنار . ( 5 ) البند : العلم ، وجمعه بنود . ( 6 ) العضب : السيف الصارم . ( 7 ) الشتات : الفرقة بها ، والالتئام : الاجتماع . ( 8 ) القتام : الغبار . ( 9 ) القنيص : الصيد . ( 10 ) محيص : محيد . ( 11 ) في أصل ه « فخذله » .